طباعة استشارة
أنا حائر تائه، ماذا يجب أن أفعل؟
استشارات نفسية


تاريخ الاستشارة : 2016-12-21 12:56:07
اسم الســـائل : محمد
المستشـــار : أ. عمار التميمي
تقييم الاستشارة :
  • حالياً 1.00/5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

التقييم: 1.0/5 (3 أصوات)

السؤال:

     استشارتي هذه مستعجلة وضرورية، لأنها قد تقرر مصيري ومستقبلي كله، فأنا شاب (حسب السنّ وليس حسب الطاقة، ولا القوة، ولا العنفوان) شارفت على بلوغ الثامنة والعشرين من العمر، وبعد سنوات طويلة من المعاصي في الخلوات، ورغم أنني كنت مدركًا تمامًا لخطورة ما كنت عليه، إلا أنني لم أملك ذرة من إرادة التوبة والنجاة.



 



     حاليًا أعاني في كل جوانب حياتي:



 




  • فمن الجانب الروحي: لم أعد أحس بالإيمان، ولا بالخشوع، ولا بحلاوة تلاوة القرآن، ولا أي شيء آخر، كأنّ السماء أطبقت على صدري، ووالله ما ضرّني من الأضرار مثل هذا، والله إنّني لأتمنى أن يعيد الله لي الإيمان وحلاوته، وإن شاء حرماني كل ما سوى ذلك.


  • أما من الجانب النفسي: فقد تحطمت تمامًا، معظم الوساوس تراودني، ومنها: أنّه إذا خطرت ببالي أنشودة أو أغنية، فإنها تلتصق بذهني طوال الوقت، ولا أستطيع إيقافها، فأحاول استبدالها بالآذان أو القرآن، كذلك لا أشعر بأي سعادة! وتصرفاتي كلها آلية، لا أرغب بأي أمر، إنما أقوم به لأنه واجب، مثل: الأكل والشرب، لا أستطيع التركيز، ولا التذكر، ولا الإحساس بما حولي، كثير التردد حتى في أبسط الأمور، زرت طبيب الأمراض النفسية والعصبية وأخبرته بحالتي وبذنوبي ولم يصف لي دواءً، وقال لي: أنت سليم، ولا داعي لزيارة طبيب نفسي.




  • بدني ضعيف ونحيل، مفاصلي ضعيفة وتصدر فرقعة، رأسي ثقيل وكثير النعاس، أعاني أرقًا وتعبًا خلال النوم، لا أشعر بالرغبة في التبول، وأعاني من احتقان البروستاتا ودوالي الخصية الشمال، والطبيب المتخصص في أمراض الذكورة أكد لي بعد الفحص وتحليل المني الذي لم يزد حجمه على 1 مل، أنه لا داعي للقلق، وأنني سليم تمامًا، لأن الانتصاب الصباحي موجود عندي، وأكثر من مرة في اليوم، فأنا إن شاء الله مقبل على الزواج، ومضى على خطبتي عام واحد، ووالدها يطلب مني إكمال باقي الإجراءات، وأنا متردد، فقد فقدت كل ميول عاطفي أو جنسي تجاه النساء.





 



    أنا متخبط في دوامة من القلق وتأنيب الضمير المتأخر، وانعدام الثقة والرغبة والإيمان، والخوف من المستقبل، والندم على الماضي، وهذا عقاب من الله عادل لي، لكن أكثر ما أخشاه هو ظلمي لزوجتي بحرمانها الذرية والسعادة، وعدم كفايتها حقها من الجماع ثمّ تطليقها، أنا حائر، تائه، لا أعلم ماذا يجب أن أفعل، أرجوكم أرشدوني!




الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم "مستشارك الخاص" وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:



 



    يمثل الدين أهمية كبيرة بما يمثله من جانب روحي وأخلاقي في الإنسان، ويعتبر هو حجر الزاوية في الإرشاد النفسي الديني، فهو يخاطب الروح بما يحمله من سمو ورفعة، وما يحث عليه من أخلاق حميدة، وتمسك بالقيم والمثل العليا، وقد يزل الانسان في مرحلة في حياته لأسباب تتعلق بالفراغ، أو التيه في تحقيق أهداف الحياة، أو غياب التوجيه الأسري والقدوة الحسنة، أو بسبب الضغوط التي تفرزها الحياة في شتى الأصعدة، سواء في الدراسة، العمل، العلاقات، وبعد المضي في هذا العالم وما يتخلله من نتائج سلبية تعمّ الشخصية بأسرها، يطرح الإنسان عدة أسئلة على نفسه: ما الذي حل بي؟ هل سأستمر في هذا الطريق؟ ما السبيل للخروج من هذه المعاصي؟



 



    إن هذه الأسئلة تهتف بقوة في قلب صاحبها أنه لا بد من إحداث التغيير، أو على الأقل التوقف والبدء بالحياة بشكل مغاير يتناسب مع القيم والأخلاق التي نشأ عليها الإنسان، وهذه المرحلة مهمة، بل هي مرحلة الصحوة والاستبصار بالواقع الحالي، لكن تبقى الآثار التي خلفتها سبل هذا الممشى هي التي تضغط على الفرد أنه قد فات الأوان، لكن نقول لك –عزيزنا- إن الوقت لم يفت، وإن الأعراض التي تعاني منها، هي: بسبب القلق الذي خلفته خبرات الماضي، لكن أنت الآن على مفترق طرق، إما أن تبث في نفسك روحًا وارادة جديدة، وإما أن تبكي على الأطلال وما أفرزته خبرات وأحداث الماضي.



 



    إذن: الأمر مرهون بك وبإرادتك على إحداث التغيير والتحول من دائرة الموقف إلى دائرة التغيير، واعلم أن القلق النفسي يطال كل أجهزة الجسم النفسية والعضوية، فالنفس والجسد توأمان، واختلال أي طرف؛ سيؤثر حتمًا في الطرف الآخر، فالشعور بالضعف البدني، نحالة الجسم، وآلام المفاصل، والتعب كلها تداعيات أو استجابات فسيولوجية لحالة القلق النفسي الذي تعاني منه.



 



    وحالتك يقررها الطبيب النفسي، لأن الاضطرابات النفسية ليست متساوية الشدة، فحتى القلق له درجات تمتد من البسيط إلى الشديد، والحاسم هو في مدى تأثير القلق النفسي على أداء وظائف الحياة اليومية، فإن كان القلق يعطل من إنتاجيتك، شهيتك للأكل، نومك، علاقاتك الاجتماعية بشكل ملحوظ من قبلك ومن الآخرين، هنا يمكننا القول: إن العلاج الدوائي قد يكون ضروريًا، لكن بالتزامن مع العلاج المعرفي السلوكي، لأن القلق بأساسه مبني على أفكار لا عقلانية، وتأثيرات انفعالية مبالغ فيها تظهر على سلوكك، جسدك، ومشاعرك، والعلاج المعرفي السلوكي هو المجال الرحب في تصحيح هذه الأفكار واستبدالها، من خلال تعلم مهارات التكيف مع الضغوط، وإدراك الأمور بحجمها الطبيعي، والتقليل من التعميم الزائد، استباق الأمور، استبدال الأفكار السلبية، دحض وتفنيد التخيلات الكارثية للأحداث، لأن القلق بلغة مبسطة: تحميل الأمور قدرًا أكثر مما تحتمل، وهذا ما يؤدي إلى ظهور أعراض فسيولوجية: كالشعور بالخمول والتعب، ناهيك عن الأعراض النفسية: كالشعور بالضيق، التوتر، والترقب الدائم للأحداث، وإطلاق الأحكام المتسرعة.



 



    والطب النفسي شأنه شأن مجالات الطب الأخرى، قد تختلف فيه الآراء بين مؤيد للعلاج النفسي وبين معارض، واعتبار الأعراض التي تعاني منها يمكن التعامل معها ذاتيًا من خلال إحداث التغيير على مستوى التفكير والسلوك، والعلاج النفسي يقوم على افتراض مفاده: أن تغيير طريقة التفكير، وتصحيح المعتقدات اللاعقلانية سيحدث تغييرًا إيجابيًا على مستوى السلوك، المشاعر، والجسد، لذا: عليك أخذ المبادرة من جديد، وعرض نفسك على عيادة نفسية للتقييم الشامل، ومن ثمَّ وصف التدخلات العلاجية الناجعة، وترتكز أهم هذه التدخلات فيما يلي:



 



* إن تغيير العادات السلبية، وتعلم أساليب صحية؛ سيعود عليك بالنفع، كما إن تنظيم الوقت، وإدارة أولوياتك، وتخصيص أوقات للاستجمام والراحة والاسترخاء، كلها وسائل مفيدة وناجعة تمكّنك من التخلص من أعراض القلق المزعجة، ثق بنفسك، واعتمد على لغة العقل، واستشر أهل الاختصاص، ولا تعتمد على رأي طبيب واحد، والشاهد أن العلاقة العلاجية الإرشادية إن لم يتخللها الارتياح والتقبل، فلن تجدي الأدوية النفسية التي يصفها لك في العلاج، لأن العلاج النفسي والعلاقة الإرشادية يلزمها الاحترام، التقبل، التعاطف، والتفهم لاحتياجاتك، فإن لمست هذه الأشياء حقيقة؛ ستخطو خطوات إيجابية نحو العلاج، ومن ثمّ الشفاء، بأذن الله.



 



* تعرف على نفسك: فالأشخاص الواثقون يعرفون ماذا يريدون، يملكون الرغبة القوية لتحقيق النجاح، يؤمنون بقدرتهم على تحقيق النجاح، يسعون لتحقيق هدفهم بخطوات فيها جدية والتزام، لا يعتقدون في الفشل ولا يستسلمون له، وينظرون إليه على أنه -ببساطة- وقفة أو خبرة يتعلمون ويستفيدون منها.



 



* تخير علاقاتك: نرى –ببساطة- أن تعيد من بناء علاقاتك من جديد، فتخيّر الأشخاص الإيجابيين ذوي الطموح والأهداف، والمنتجين لأنفسهم ومجتمعهم، ببساطة: ابتعد عن المتشائمين والأشخاص السلبيين، لأنهم لن يضيفوا لك شيئًا، وإذا كان لا بد من مجالستهم؛ فكن مرنًا، واسمع لهم، ولكن لا تستجب لهم، بل جاهد في إصلاح أحوالهم بالحوار وبلغة مثقفة، فإن نجحت؛ فستشعر بالفخر والرضا النفسي، وإن لم تنجح تكون قد حاولت وهم الخاسرون، فنحن نرى أن تثقف نفسك بكل الوسائل المتاحة التي تغذي الروح والعقل، وتوسع مداركك وخيالك، وتزيد من خبرتك وكيفية التعامل مع جميع أصناف الناس.



 



* في كثير من الأحيان لا ندرك كم نحن مستغرقون لا شعوريًا في أفكار سلبية، ونتيجة لحضورها المتكرر في عقولنا تخلق هذه الحالة إطارًا من السلبية يعمل داخله العقل، لأننا لا نترك هذه الأفكار السلبية تخرج، بل نحيط بها عقلنا، يتمسك العقل بهذه الأفكار نتيجة الشعور بالشفقة، أو الخوف، أو التردد من شيء غامض ومبهم، نحن لا نحب الإطار السلبي للعقل، ولكن في نفس الوقت هل نحاول بوعي التغلب على ذلك؟ المشكلة هي أنه إذا كانت الأفكار السلبية تدور وتدور في أذهاننا، فمن الممكن أن تصبح قوية ونخسر قدرتنا على التخلص منها.



 



    إذن: الخيار بيدك بأن تتخذ قرارًا واعيًا بتجاهل تدفق هذه الأفكار والمشاعر السلبية، واستمر في هذه المحاولات حتى تتخلص منها نهائيًا، المسألة تحتاج إلى وعي وتركيز، فإن شعرت أن ثمة فكرة سلبية بدأت تتسلل إلى عقلك؛ توجه فورًا إلى القيام بعمل مختلف يبعث السرور إلى قلبك، ويغير من الحالة المزاجية، لأننا -كما ذكرنا- أفكارنا هي الموجه لسلوكنا، مشاعرنا، وأجسامنا، فلنحرص على محتوى، وشكل أفكارنا.



 



*الاستشارة المتخصصة: الطب النفسي يتعامل بكل كفاءة مع حالات القلق النفسي والمخاوف باختلاف أنواعها، سواء أكانت مرتبطة بكفاءتك الجنسية أو مقدرتك على تحمل تبعات الزواج، أو إسعاد الزوجة، فهذه أفكار استباقية تنقصها النظرة الواقعية والتجربة العملية، والعلاج سيقرره الطبيب النفسي بعد تقييم حالتك بشكل تفصيلي، وفحص محتوى أفكارك، شكلها، وواقعيتها، والعلاج الدوائي خيار مطروح، بل وأساسي في حالات القلق الشديد، وستعمل الأدوية النفسية وما يعرف بمضادات القلق والاكتئاب على تحسين الحالة المزاجية، وبتحسن حالتك، وسينعكس الأمر إيجابًا على سائر شؤون حياتك.



 



    نتمنى لك التوفيق والشفاء العاجل.