طباعة استشارة
ولدي يلوذ بالصمت عند الغرباء وفي المدرسة!
استشارات تربوية


تاريخ الاستشارة : 2016-12-30 23:18:17
اسم الســـائل : احمد
المستشـــار : أ. فدوى الشمايله
تقييم الاستشارة :
  • حالياً 1.50/5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

التقييم: 1.5/5 (2 أصوات)

السؤال:

   السلام عليكم..



 



  أنا متزوج ولي طفلان: الأول عمره أربع سنوات ونصف، والبنت عمرها سنتان ونصف، وأعيش مع أهلي في بيت واحد، المشكلة مع ابني ذي الأربع سنوات ونصف عندما يحضر أي ضيف يرفض أن يخرج عليهم أو يسلم عليهم، وعندما يكلمه أي أحد لا يجيبه أبداً، ولا يلعب مع الأطفال، ويلعب مع أخته أو مع بنت خاله التي يراها كل شهر مرة. أدخلته إلى الروضة (الحضانة) وعانينا في البداية، حيث يرفض البقاء وحده، وتجاوزنا هذا الأمر، وعندما أسأل المعلمة تقول إنه صامت تماماً في الصف ولا يتكلم، وعندما أسأله لا يجيبني نهائياً، وحتى الألعاب لا يلعب إلا إذا المعلمة ساعدته، مع العلم عندما نسأله ماذا تعلمت؟ يقول لنا، وأنه شارك في الصف، لكن المعلمة تقول إنه لم يشارك نهائياً.



 



   انقضت الآن تقريباً أربعة أشهر ولم يتغير، ما هو الحل؟ ولكم جزيل الشكر والتقدير.




الجواب:

   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم "مستشارك الخاص" وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:

 

   أخي الكريم: أشكرك على مشاركتك لنا بمشكلة طفلك، وأسأل الله تعالى أن ينفعك بالإجابة.

 

   لقد فهمت من كلامك أن طفلك يتكلم ويتحدث في البيت معك ومع باقي العائلة، لكنه يتجنب الكلام ويلوذ بالصمت في المدرسة ومع الغرباء أو بقية الأقارب، وهذه الحالة تعرف بالصمت الاختياري، وهو اضطراب نفسي كلامي؛ حيث إن الطفل يتجنب الكلام بإرادته؛ وليس لوجود أية علة عصبية، وعادة تظهر هذه المشكلة عند الطفل الذي يعاني من الخجل الاجتماعي، والطفل يختار بمحض إرادته أن يلتزم الصمت ولا يتكلم إلا مع الأهل أو من تعود عليهم!

 

   وهو يصنف تحت اضطراب الرهاب أو الخوف الاجتماعي، وفي بعض الأحيان قد يسبق صمت الطفل ظهور مشكلة التأتأة أو أي مشاكل في النطق؛ مما يضعف ثقة الطفل بنفسه ويجعله يختار الصمت، ولكن السبب وراء هذه الحالة هو سبب نفسي صرف؛ حيث إن الطفل المصاب يكون ضعيف الثقة بالنفس، ويعاني من الخجل الاجتماعي، هذا إلى جانب وجود درجة من القلق لديه.

 

  ومن الأسباب المحتملة عادة وراء ظهور هذه المشكلة:

 

  • السبب الأول، والذي قد لمسته في حالة لطفلة أعرفها: هو تعرض الطفل للاستهزاء والسخرية في موقف اجتماعي معين، وقد يمر هذا الموقف مرور الكرام على من قام بالسخرية أو الاستهزاء، لكنه يترك تأثيراً عميقاً في نفس الطفل.
  • وجود المخاوف والقلق لدى الطفل، والذي قد يكون أحياناً وراثياً؛ حيث يكون أحد الوالدين أو كلاهما من النوع القلق.
  • وجود مشكلة الخجل لديه؛ حيث يتجنب الطفل التحدث إلى الغرباء أو التفاعل معهم، ويشعر بالخجل في وجودهم، وقد يلتصق بوالدته أو يلوذ إلى غرفته.
  • الحماية الزائدة للطفل، بحيث أن الأهل يظهرون الخوف المبالغ فيه على طفلهم، ويجنبونه القيام بالكثير من الأمور حماية له، وهذه الحماية تضعف ثقة الطفل بنفسه، وتزيد من درجة قلقه وشعوره بالضعف.
  • الدلال الزائد والاتكالية على الوالدين من قبل الطفل، وانعدام الاستقلالية؛ حيث لم يتعلم الطفل الاستقلالية والاعتماد على النفس، ولم تتح له الفرص لتعلم ما يحتاج من  المهارات، فيشعر بالنقص في نفسه وتتزعزع ثقته، ويزداد قلقه من المواجهة؛ لأنه يخاف من أي موقف جديد.
  • تعرض الطفل لتجارب سلبية أثرت فيه: مثل التعرض لإساءة جسدية، أو التعرض للعنف، أو فقدانه لأحد من أفراد العائلة، أو الابتعاد عن الأم مثلاً، أو انتقال الأسرة لبيت آخر بحيث يتزعزع شعور الطفل بالأمان.
  • الخلافات الأسرية المتكررة وغياب جو المودة في الأسرة؛ مما يدخل القلق لنفس الطفل، ويزعزع شعوره بالأمن والاستقرار.
  • وجود مشاكل في النطق لديه مثل التأتأة أو تأخر الكلام.
  • وقد لوحظ أن الكثير من هؤلاء الأطفال غالباً ما يكون والديهم أو أحد الوالدين قلقاً بطبعه، وخاصة الأم، أو مصاباً بأحد اضطرابات وأمراض القلق، أو أن هؤلاء الأطفال قد تربوا في جو من القلق؛ إذ أن الطفل يستطيع أن يشعر بالقلق عند والديه ويستشعره.
  • كما لوحظ أن حالة الصمت الاختياري تزداد حدة في حالة ظهور المواقف المفاجئة غير المتوقعة بالنسبة للطفل.

 

   ونسبة التحسن والشفاء من هذه المشكلة تعتمد على درجة الحالة، وعلى مدى الدعم والعلاج الذي يقدم للطفل؛ ففي الحالات الخفيفة يطرأ تحسن كبير على الطفل، حتى دون علاج، أي أنَّ هذه الحالات مؤقتة. أما في الحالات الشديدة فتزداد معاناة الطفل من الخجل الشديد، وربما يعاني أيضاً من صعوباتٍ في التعلم قد تؤدي إلى الرسوب والفشل في الدراسة، وما يزيد من مشاكله الدراسية عادة هو تعرضه للاستهزاء من الأطفال حوله.

 

   وينصح عادة باصطحاب الطفل للطبيب النفسي، خاصة عندما تستمر المشكلة لبضعة شهور وأكثر، وهنالك عادة شقان للعلاج:

 

  1. الشق الدوائي، حيث تستخدم بعض الأدوية التي تستخدم في حالة الاكتئاب من مثبطات ارتجاع السيروتونين، والتي تساعد كثيراً في تحسن حالة الطفل، لكن طفلك ما زال صغيراً على استعمال الأدوية، وقد لا ينصح الطبيب بها في هذه السن المبكرة.
  2. وهنالك الشق الآخر، وهو الأهم، وهو العلاج السلوكي المعرفي: حيث يقوم العلاج على مبدأ اللعب، فيقوم المعالج بداية بمحاولة بناء الثقة بينه وبين الطفل، ويوفر له بعض الألعاب التي تحتاج للمشاركة بين اثنين، ويتجنب سؤاله أو توقع الكلام منه، ويبدأ تدريجياً جلسة بعد جلسة بالتقرب منه واستمالته للكلام عن طريق اللعب، وتدريجياً، إلى أن يصل الطفل للمرحلة التي يكسر فيها صمته فيتكلم الطفل، ويتجاوب مع المعالج.

 

   والعلاج السلوكي يشمل أيضاً تثقيف الأهل والمدرسة في كيفية التعامل الصحيح مع الطفل؛ لمساعدته على التغلب على مشكلته.

 

   وفي المدرسة تستطيع المعلمة أن تقوم بدور كبير في تشجيع الطفل على الكلام، وذلك بالتعاون معك والاتفاق مسبقاً على أن تأتي لاصطحاب طفلك مبكراً بخمس أو عشر دقائق، وتقف معه عند باب الصف أو المدرسة، وتقف هي بعيداً بحيث لا ينتبه لوجودها، وتقوم بسؤاله كيف كان يومه، وماذا فعل، وبعض الأسئلة الأخرى، ثم في اليوم الثاني ستقف هي على مسافة أقرب، وتسأله أيضاً بعض الأسئلة بحيث تستطيع هي سماعها، ثم في اليوم الثالث ستقف بقربك وتتظاهر أنها لا تنتبه له وهو يتكلم معك، ولكنها تسمع كلامه، ثم في اليوم الرابع تقف بجانبك وتشارك هي الأخرى في الكلام معه، وهكذا تدريجياً حتى يبدأ الكلام معها.

 

   ثم أنها تستطيع أيضاً أن تخصص يوماً نشاطياً، وتخبر الطلاب أن كلاً منهم يستطيع أن يحضر صديقاً معه أو أخاً أو أختاً في ذلك اليوم، ثم تجعله يصحب ابنة خاله أو أخته معه، ثم تقوم المعلمة باللعب ببعض الألعاب معه ومع ابنة خاله مثلاً، ثم تسأل بعض الأسئلة الخاصة باللعب، وتبادر ابنة خاله بالسؤال، وتتحدث إليها، وهو حينها وفي وجود ابنة خاله المتعود عليها سيتحدث ويجيب أيضاً دون أن يشعر.

 

   وهكذا تستطيع المعلمة خلق بعض الفرص لاستمالته للحديث من خلال اللعب إلى أن يكسر هذا الحاجز ويبدأ بالكلام، وكلما شعر بلطف المعلمة ومعاملتها الجيدة معه؛ كلما أصحب أقل قلقاً وتوتراً، وبدأ بالاستجابة.

 

   وإليك ببعض النصائح الخاصة بكم كأهل:

 

  • تجنب سؤال طفلكم عن سبب صمته سواءً من قبلكم أو قبل المعلمة أو أي شخص يريد أن يتعامل معه، وتجنب إجباره على الحديث، وتشجيعه على الكلام بطريقة غير مباشرة من خلال إيجاد فرص للتفاعل باللعب والمشاركة.
  • استخدام الحب والاحتواء والمعاملة الحسنة معه، وإشعاره بالقبول كما هو، واجعلوه أولوية في حياتكم؛ فهو الآن في حاجة إلى اهتمامكم ومساعدتكم.
  • تجنبوا إشعاره بأن صمته هذا وخجله سيجعله محط سخرية الآخرين، ولكن علموه كيف يواجه المواقف الاجتماعية، ولا تستمروا في حمايته، بل شجعوه على مواجهة مخاوفه.
  • كما أنَّ من المهم التعامل معه وكأنه طبيعي، وليست هنالك مشكلة، والابتعاد عن أي نوعٍ من العقاب البدني أو اللفظي، وتجنب الحديث عن مشكلته، خاصة أمامه.
  • ومن أهم الأمور التي تستطيعون مساعدته بها: تعزيز ثقته بنفسه، وتدريبه على المهارات التي تعلمه الاستقلالية والاعتماد على النفس، فحملوه بعض المسؤوليات في البيت، وعلموه كيف يرتب غرفته وألعابه، وكيف يأكل ويلبس لوحده، وتحدثوا إليه، واستمعوا إلى آرائه، وشجعوه على التعبير عن نفسه، وأشعروه بفخركم به وبثقتكم به.
  • ركزوا على نقاط القوة لديه وعززوها، ولاحظوا هواياته واهتماماته وادعموها.
  • إتاحة الفرص الكافية له لتكوين الصداقات والعلاقات الاجتماعية، بالتشجيع والتوجيه، وبإتاحة الفرص للاختلاط بالأطفال، وبالتعاون مع معلمته والاتفاق معها على إشراكه في النشاطات الجماعية والرياضية في المدرسة.
  • كما أنَّ قلق الوالدين هو من المسببات الرئيسية للحالة؛ فالأهل يحتاجون إلى التحكم بمخاوفهم وقلقهم والسيطرة عليها؛ لأنَّ الطفل يستطيع الشعور بهذا القلق، وهذا سيزيد من قلقه هو أيضاً.

 

   وبالنسبة لدور الروضة والمدرسة:

 

  • فمن المهم أن يكون هنالك تعاون وتواصل مستمر مع الروضة، وأن تجتمع مع معلميه لكي تناقشوا وضع خطة سلوكية.
  • تجنب إجبار الطفل على التحدث.
  • تفهم قلق الطفل ومخاوفه.
  • تشجيع أي محاولة للطفل للكلام مهما كانت بسيطة.
  • تجنب إشعاره بأن صمته وعدم مشاركته سيجعله عرضة للسخرية.
  • تشجيع الطفل على مواجهة المواقف والأمور التي عليه القيام بها.
  • وينبغي على المعلمة أن تتودد للطفل وتحاول التقرب منه حتى يألفها ويثق بها.
  • أن تخص المعلمة طفلك ببعض المهام والأنشطة؛ حتى تعزز وجوده في الصف، وتتيح له المجال للمشاركة والتواصل؛ فعندها يشعر بأهميته ويقل توتره وقلقه.
  • إشراكه في الأنشطة الجماعية كي تعزز تفاعله مع زملائه.
  • يمكن أيضاً أن يتم التنسيق بحيث يقوم بعض زملائه بصحبة المعلمة بزيارته في البيت، حيث إنه يشعر بالأمن في البيت؛ وهذا قد يشجعه على التحدث معهم.
  • من المفيد أن تصحبه ابنة خاله في صفه أو أي زميل قد تلاحظ المعلمة أن طفلك يستلطفه، وتوجه لهم الحديث، وتبدأ بالزميل؛ حتى يتشجع طفلك ويتكلم في وجود ابنة خاله التي يثق بها ويألفها، أو في وجود الزميل.

 

  وتذكر-أخي الكريم- أن طفلكم يحتاج إلى الصبر والأناة والحب غير المشروط في تعاملكم معه، وتجنب إشعاره بأنّ هنالك مشكلة، وإشعاره بالقبول والحب لشخصه، ومساعدته على بناء شخصيته، وتعزيز ثقته بنفسه، وتعليمه المهارات التي يحتاجها، وتعليمه الاستقلالية، والاعتماد على النفس، ومساعدته على مواجهة مخاوفه واقتحامها، واحتوائه بالحب غير المشروط، والحنان والدعم النفسي.

 

   ودمتم سالمين.